أبو نصر الفارابي

60

كتاب السياسة المدنية

الصور ، فهي لأجل ذاتها أبدا ولا يمكن أن تكون بصورها مفطورة لأجل غيرها ، أعني ليتجوهر بها شيء آخر وأن تكون مواد لشيء آخر « 1 » . وأما المتوسطات فإنها قد تكون مفطورة لأجل ذاتها وقد تكون مفطورة لأجل غيرها . ثم كل واحد منها له حق واستيهال بمادته وحق واستيهال بصورته . والذي له بحق مادته هو أن يوجد شيئا آخر مقابلا للوجود الذي هو له ، وما له بحق صورته فأن يبقى على الوجود الذي له ولا يزول . فإذا كان استيهالان متضادان ، فالعدل أن يوفى كل واحد من قسطيه ، فيوجد مدة شيئا ما ثم يتلف ، ويوجد شيئا مضادا للوجود الأول ، ثم ذلك أيضا يبقى مدة ثم يتلف ويوجد شيئا آخر مضادا للأول ، وذلك أبدا « 2 » . وأيضا فإن كل واحد من هذه الموجودات المتضادة مادته مادة للمقابل له . فعند كل واحد منها شيء هو لغيره وعند غيره شيء هو له ، إذ كانت موادها الأولى مشتركة . فيكون كأن لكل واحد عند كل واحد من هذه الجهة حقا ما ينبغي أن يصير إلى كل واحد من كل واحد . والعدل في ذلك بيّن : وهو أنه ينبغي أن يوجد ما عند كل واحد لكل واحد فيوفاه .

--> ( 1 ) المادة الأولى لا توجد بدون صورة ، إنها موجودة من أجل الصورة . أما الصورة الصرف فغير ذلك . ( 2 ) نجد هنا عبارات تتكرر حرفيا وقد وردت في كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة يم وهو يريد أن يقول إنّ المادة تتخذ صورة ثم تتخلّى عنها لتحل مكانها صورة مضادة وهكذا تظهر الأجسام وتختفي .